الجصاص

93

الفصول في الأصول

الموجبة لتصديقه ، ( 1 ) فكان غيره بمثابته في امتناع جواز الاقتصار على خبره عاريا من دليل يوجب صدقه . فلا معنى له ، لأنه لم يجمع بينهما معنى يقتضي الجمع بينهما . وأيضا : فإن خبر النبي عليه السلام بدء فإنما كان مع دعائه للناس إلى العلم بصدقه وصحة نبوته ، وكل من دعا إلى العلم بصحة خبره ، وكذلك نقول في ( كل ما ) ( 2 ) كان سبيله وقوع العلم بخبره من الأخبار ، فغير جائز الاقتصار به على الخبر مجردا ( 3 ) دون مقارنة الدلائل الموجبة لصحته . ثم إذا صحت نبوته بالمعجزات التي أظهرها الله له ، صارت تلك الدلائل موجبة لصدق إخباره في جميع ما يخبر به . وأما أخبار الآحاد في أحكام الشرع ، فإنما الذي يلزمنا بها العمل دون العلم . فالمستدل بأخبار النبي عليه السلام على نفي خبر الواحد معتقد لما وصفنا . وأيضا : فإن هذا القول منتقض على قائله في الشهادات ، وأخبار المعاملات ، في الفتيا ، وحكم الحاكم ، ونحوها ، لأن هذه الأخبار مقبولة عند الجميع ، مع تفردها من الدلائل الموجبة لصحتها ، وأما قوله : إن ذلك يوجب كون المخبر أعلا منزلة من النبي عليه السلام - فليس كما ظن ، لأنه إنما يكون كذلك لو قلنا : إن خبر النبي عليه السلام لا يوجب العلم بمجرده ، حتى تقارنه دلائل غيره توجب صحته ، وخبر غيره يوجب العلم بمجرده ، دون مقارنة الدلائل له . فأما إذا قلنا : إنما يقبل خبر الواحد المخبر غيره عن النبي عليه السلام في لزوم العمل به ، دون وقوع العلم بصحته ، والقطع على عينه . وقلنا : إن خبر النبي عليه السلام لما اقتضى وقوع العلم بصحة خبره ، وما دعا إليه ، احتاج إلى الدلائل الموجبة لصدقه ، فلم نجعل المخبر عن النبي عليه السلام أعلا منزلة منه عليه السلام في خبره ، ولو كان هذا كما ظن السائل للزمه أن يكون المخبر بأخبار المعاملات والشهادات والفتيا والحكم - أعلا منزلة من النبي عليه السلام ، لقبول خبرهم بلا دلالة تقارنه ، موجبة لتصديقه ، وامتناعه من قبول خبر النبي عليه السلام ، إلا بعد إقامة الدلائل على صدقه . ( 4 )